الرئيسية - ثقافة وفنون - زوال الكَدَر (قصة قصيرة)

زوال الكَدَر (قصة قصيرة)

زوال الكَدَر (قصة قصيرة)

الساعة 09:43 مساءً (مهند دماج)



ات مساء، من مساءات نيسان، راقبتُ الغروب بسمائهِ المُضرجة. كان مشهدا مهولا، جعلني أفكر كم كنتُ قبيحاً! تذكرتُ شيئاً قرأته في رواية دان براون “ملائكة وشياطين” عن تأثير “المادة المضادة”، الذي يُمحو المادة، ما جعلني أوقن حقاً أن لكل شيء ضده: الليل والنهار، الخير والشر، الحب والكراهية… توالت الثنائيات في ذهني. عزمت على البحث عن الحب.
كانت روحي ملبدة بالسواد، فالتعاسة تضرم في داخلي نيران الحقد على الناس. وصف القمرِ بالجمال كان يثير اشمئزازي، فالفجوات قد لطخت وجه بدره، كما أنه متحول على الدوام، لم يكن بمظهرٍ مستقر؛ فأياماً يكون مقوساً كعجوز لا يشي بجماله شيء، وأياماً أخرى يكون في مقتبل شبابه… كانت الشمس تروقني كثيراً، حتى ظننتها تمثلني؛ لم يتقرب مني أحدٌ إلا أحرقته بألسنة كرهي للإنسان.

رحت أبحثُ عن الحب في كل الأرجاء. كم كان صعباً أن أجده!!
لطخت الدماء تلك الطبيعة الخلابة. والبارود ملأ رئات الورودِ التي أبكت النحل بذبولها. كنتُ مسيجاً بالكراهية. هربت من كل هذا بحثاً عن محبوبتي (الرواية) التي سأربح بها سعادتي.
كان الطريق وعراً. كثبان رملية، أرض قاحلة، ريح لفوح… كما لو كنت أبحث في بيداء! أرهقني العطش، ورافقني الجوع.

ليلاً، اهتديت بالنجوم إلى تلك الأرض المُزهرة بالحب؛ لكن دون جدوى!
عانيتُ كثيراً. سلكتُ دربي بقلب حافٍ مشقق بالجروح. مررت بعدة تَجارِبِ؛ ولكنني سرعان ما كنت أنكفئ إلى وحدتي. سلختُ ثلاثة أشهر في البحث لإثبات تلك النظرية.
وبينما كنتُ أسير بشغف، رأيتُ طيفاً ملائكياً مقرفصاً خلف ركام، ينظر إلى النجوم. اقتربت مراقباً تأمله للسماء. ينتحب بشدة مما بدا لي أنه اللوعة، وحرب مشاعره. دنوت أكثر. وجدتها فتاة يانعة! أحسستُ بوخزٍ في قلبي حينما سمعتها تعاتب الله على أن خلقها، وينهمر الدمع من عينيها. علمتُ لاحقاً أن بكاءها كان بسبب أهلها. اقتربتُ أكثر بشعور آخر. نضَحَتْ روحي من ثمرات عينيها. أطلقتُ تنهيدة نابذًا حزني.

اكتشفتْني! لقد وقعتُ فيها! أهي الحب المُنتظر لأضرب بها قولي هذا؟! اِلتفتت إليّ مُداعبة مشاعري بنظراتها! نادتني بصوت مبحوح، فأرهقت قلبي!
أثملت روحي بسؤالها حين رأتني شارداً: من تشتاق؟!
أجبرتني مشاعري بدون وعي:

  • أشتاقكِ!
  • كاذبٌ أنت! (هكذا قالت)!
    همستُ بحنين في أذنها بعقل شلّ جمالها تفكيره:
  • ما الكذبة إلا حياتي قبل رؤيتكِ!

    وصلنا إلى نتيجة واحدة، وهي أن نبقى معاً حتى نحقق غايتنا. سلكنا الصحراء باحثين عن أرض الحب والسلام. باسم الصداقة سرنا في النهار وسرينا الليل. غنى كل منا للآخر ليزيح عنه همه. اِجتزنا الرُبى المتتالية بلحن غريب. لعِبتُ كل أوراق تفكيري، بأنها مجرد صديقتي؛ ولكنني هُزِمت أمام سلطانها عليّ. اعترفتُ بعد حيرة أمامها. زاد الطريق صعوبة. سلّم فؤادي زمام نفسه لحكمها. بقيتُ ساعاتٍ منتظرًا قولها تلك الكلمة. ما أقساها! كم جعلتني أحترقُ بعشقها؟! أوقفتني الصحراء عن المضي قدماً، صارخةً في وجهي: “ها قد وصلت إلى وجهتك! إلى أين أنت ذاهب؟”. توسلتُ إلى الرمال المانعة سيري إلى الأمام؛ لكنها لم تستجب.

    اِتبعتُ الصحراء خاضعاً، أنادي نجمتي تلك التي غنت لي مواسية قلبي. توقفتُ عن الكلام بأرضي المُزهرة، فاستبد بي اليأس. احتقرني الأمل بسبب تفكيري في أنها لن تحبني. شردتُ في جمال السماء حين تكبّدها البدر. بدأ القمر يروقني. ذكرني بأن “الأفكار تنسج الواقع”. عدلت أغلاط عقلي اللاواعي، لتعزف لي الحياة بكمان رقص على لحنه وجداني.

    رأيتها -بعد شهرين من لقائنا- تتقدم نحوي، زارعة العنب خلف آثار قدميها، وتتمايل كغصن زيتون في وادي أحلامي، يُزين وجهها اِبتسامة تبزغ منها شمس تبدّد ظلمتي، وتُلاشي أحزاني وهمومي. تمنيتُ لو أنها تزرع صحرائي بتلك الكلمة الرباعية الحروف. اِقتربت كملكة على رأسها تاج مرصع بالذهب الحميري، يُزين جِيدها عِقْد منظم فيه حروف مسندية. نطقتْ: “أحبكَ” بصوت أهاج نفسي.

    اِنتشيت ولهاً بها. رفعتني من هاوية الضياع، لتسقطني في بحيرة غرامها، مُطهرةً ما تبقى من رجس في داخلي. لقد كانت هوسي وضعفي. اِرتشفتُ قُبلةً من ثغرها… كأنما كنت في أحد أفلام “ديزني”! انقشعت تلك الأرض الجدباء، لتتحول إلى جنة. طوحنا بالكآبة في البحر، لتتقاذفها الأمواج بعيداً عنا.
    أيقنت أن الحب تعويذة الإحياء، وسيف يضرب عنق الشر والموت! لقد بحثنا عنا معاً، فظفرنا بنا.